|
أفضل الجهاد |
في حديث نبوي شريف «أفضل الجهاد عند الله كلمة حق في وجه سلطان جائر« ولا شك أن المعنى المباشر للسلطان الجائر هو الحاكم الظالم، ولكن السلطان بمعنى من يملك السلطة هو أعم من شخص الحاكم فكل من يملك السلطة سياسية كانت أو دينية أو اقتصادية ويجور في مباشرتها فهو سلطان جائر، فرأس المال قد يكون سلطانا جائرا، ورجل الدين قد يكون كذلك، وزعيم التنظيم السياسي المستبد هو أيضا مصداق للسلطان الجائر، وفي عصرنا الحاضر بعد أن أصبح العالم بمثابة قرية هل يمكن حصر انطباق معنى السلطان الجائر في الأمثلة السابقة فقط،
أم في نطاق الحدود الضيقة والتقليدية ليس إلا؟ أليست القوى الكبرى بما تمتلك من جبروت القوة الضاربة وآلة الإعلام الضخمة التي تساهم في تطويع الرأي العام بتمييعه تارة، وتضليله تارة أخرى تمهيدا لتنفيذ خطط الغزو والهيمنة أو تبريرها مصاديق واقعية لانطباق مفهوم السلطان الجائر؟ يحضرني الآن شريط طويل من شهداء الحقيقة الذين ضحوا بحياتهم دفاعا عن شرف الرأي وقدسية الكلمة في معارك سطرها التاريخ البشري قديما وحديثا، و في حين طوى النسيان الأنظمة الفاسدة التي حاربتهم، وأجهزة البطش التي تعقبتهم ونكلت بهم وكل الجلاوزة الذين تلوثت أياديهم بدم الأحرار، خلد التاريخ تلك التضحيات في سجل المجد والكرامة. قبل أيام مرت بنا ذكرى استشهاد العالم الجليل «محمد ابن مكي العاملي« والملقب بالشهيد الأول، في العاشر من جمادى الثانية سنة 786 للهجرة النبوية، وقد كانت شهادته في قلعة دمشق بعد أن سجن فيها عاما كاملا ثم قتل بالسيف ثم صلب ثم رجم ثم أحرق! وذلك بعد فتوى كيدية من بعض علماء السلطان آنذاك بزعامة المفتي «برهان الدين المالكي«، ومنذ نحو 700 عام وإلى يومنا هذا بقيت الآثار العلمية للشهيد الأول تدرس في معظم كليات الفقه في العالم الإسلامي وأبرزها كتاب اللمعة الدمشقية، وعندما نتأمل سنجد أن هذا الخلود لم يأت من فراغ، ولم يكن بالمجان فقد ضحى صاحبه بحريته أولا، ثم دفع حياته ثمنا للدفاع عن آرائه التي لم تتناغم مع جوقة علماء السلطان. فكادوا له حتى سجنوه، وظل هاجس تفوقه يقض مضاجعهم فقتلوه، وفي محاولة بائسة للتشهير به رجموا جثمانه بعد استشهاده!، وأخيرا خافوا من رفاته الممزق فأحرقوه، فسبحان الله كيف تصل الدناءة والحقد والغل ببعض النفوس فتتخلى عن كل معاني الإنسانية وتكون أسوأ من البهائم كما قال سبحانه وتعالى: «أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا«. وقصة الشهيد الأول ليست استثناء من سير كل العظماء في الماضي البعيد والحاضر فكل الأنبياء والرسل وأصحاب الرأي عانوا الكثير فخلدهم التاريخ، أما الآخرون ممن يظهرون كالنباتات الطفيلية التي تظهر على حواف مجرى النهر فلا أحد يلتفت لهم لأنهم في الأساس لا يشكلون قيمة تذكر، وهم كالزبد لا يلبث أن يتلاشى. والأمر المؤكد في هذا السياق أن ثمة علاقة وطيدة بين العقليات المتخلفة في كل مجتمع والتي تعاني مشكلة دائمة في عدم استيعاب الأسباب الكامنة وراء فشلها في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي فتندفع دون وعي أحيانا - لأنهم كما قال سبحانه وتعالى كالأنعام - بالبحث عن أدوار سلبية من خلال اختلاق معارك جانبية مع الطليعة المتقدمة في مجتمعها في محاولة لإشباع نزوات الحقد في نفوسها المريضة ولتروي ظمأها للمنافسة - وهي عاجزة - فتلجأ لشن الغارات والحروب كما كان الحال في الماضي، أو تتجه إلى خيار العنف الفوضوي والمدمر كما يحدث الآن، وفي المعترك السياسي يلجأ البعض إلى نوع من السلوك الذي يعتمد التهويش وكيل الشتائم والتهم للآخرين ممن يختلف معهم إذا لم يسعفه الوعي في مناظرتهم وتأكيد صحة رأيه السياسي مقابل وجهات نظرهم، ومن شدة جهلهم يعتقدون أنهم - بتبني هذا الأسلوب - سيكسبون نقاطا لصالح موقفهم على حساب من لا يتفق معهم في الموقف السياسي، غير مدركين في الغالب لما يدور حولهم، ولا يتورعون في هذا السياق عن توظيف المفاهيم والقيم الإسلامية لدعم خطابهم، ومطالبة الآخرين بالالتزام بها في حين يسمحون لأنفسهم بنهش لحوم الآخرين خلافا لقوله تعالى «أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا«. وأخيرا قد يأتي في سياق أفضل الجهاد أيضا المجاهرة بالرأي كما نفهمه وبالقدر المتاح دون مجاملة لسلطان جائر أو زعيم سياسي أو الخوف من خفافيش الظلام العاجزين عن المواجهة في الضوء، والمأزومين بخطاب مضطرب يتراجع كل يوم ولا يتعظ. * قبل أسبوعين كتبت حول اتجاه جاد في العمل الوطني وأطلقت عليهم مسمى «القابضون على الجمر«، وقد ترددت هذه الإشارة خلال الأسبوعين الماضيين في بعض مقالات لكتاب آخرين، كما ورد استنهاض لـ «القابضين على الجمر« في بيان صدر مساء يوم السبت الماضي 17 يوليو مما أثار تساؤلات لدى كثير من المواطنين حول المعنيين بالتسمية، واستجابة لرغبة القراء الكرام سأسلط الضوء على الموضوع بشيء من التفصيل قريبا.
أخبار الخليج البحرينية - 20/7/2004