|
دور الناخب في العملية الانتخابية فضل الله: ملامح دولية تختفي وراء الخطط الانتخابية في المنطقة |
سئل العلامة المرجع، السيّد محمد حسين فضل الله، في ندوته الأسبوعية، عن حمى الانتخابات في المنطقة والموقف الإسلامي من مسألة الانتخاب؟
فأجاب: "لم يضع الإسلام القيود على الناس لكي يمنعهم من المشاركة في أيّة عملية سياسية أو انتخابية يتم على أساسها تحديد الأفق الذي يُرسم لمصالحهم العامة أو الخاصة، ولذلك أراد الإسلام للناس أن ينظّموا أمورهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك، على أساسٍ من العدل والحرية المسؤولة في نطاق تطورهم وتطوّر أساليب الحكم والإدارة من خلال مراعاة العناوين الشرعية، وعلى أساس من الشورى والمراجعة وتدارس الأولويات التي تحفظ للأمة توازنها وتقودها إلى سلوك الطريق القويم نحو المستقبل...
ولذلك ترك الإسلام للأمة الحرية في أن تعمل على صناعة مستقبلها بين الأمم من خلال المرونة التي تواكب فيها المستجدات في العملية السياسية والاقتصادية، ومن خلال ما تطل عليه حركة الاجتهاد وتتبعها لكل المستحدثات، وتوجهت النصوص الشرعية للأمة لتؤكد على دورها الفاعل في عملية اختيار الحاكم ومن يمثلها في السلطة لتصويب الآداء، كما ركّز الإسلام على وجوب المراقبة الدائمة للحاكم ولممثلي الشعب قبل الانتخاب وبعده، وملاحظة مدى انسجام سلوكهم ومواقفهم مع شعاراتهم وبياناتهم الانتخابية ومع ما تقتضيه قضايا الأمة في الجانب الاستراتيجي والمصيري.
من هنا تبرز مسؤولية الناخب وخطورة الدور الذي يؤديه بعكس ما قد يتصور البعض من أن صوته لا يؤثر في مجمل السياسة سلباً أو إيجاباً، لأن هذا الصوت الذي ينضم للأصوات الأخرى سوف يقرر مصير البلد من خلال الأشخاص الذين يقدمهم إلى مواقع المسؤولية بعد تزكيتهم... وثمّة مشكلة كبيرة تكتنف ما يطلق عليه البعض تسمية العملية الديمقراطية في الانتخاب، تنطلق من أن الكثير من الناخبين لا يملكون ثقافة القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تقرر مصير بلدهم، ولذلك قد يستغرقون بالشخص ـ في عملية الانتخاب والاختيار ـ أكثر مما يستغرقون بقضايا أمتهم ووطنهم، ومن هنا يسهل على الجهات الخارجية أو الداخلية الطامحة والطامعة أن تزور ذهنية الناخب باستخدام المؤثرات الغرائزية والأساليب العاطفية التي تجعل الناخب ينجذب لها بعيداً عن التصور الفعلي لحقيقة الأمور. وهكذا نجد بأن بعض البلدان يساهم فيها المال الانتخابي مساهمة كبيرة في عملية الاختيار عندما يستغل الذين يملكون المال حاجة الناس له، فتبدأ عملية شراء الأصوات بحسب طبيعة السوق وعلى أساس المزايدة المالية أو السياسية والإعلامية، الأمر الذي يجعل من مسألة الانتخاب مشكلة للبلد بدلاً من أن تكون حلاً لمشاكله.
ونحن ـ في هذا الإطار ـ نحذر من أن بعض الأنظمة في الواقع العربي والإسلامي تحاول أن تلعب اللعبة المخابراتية أو الحزبية لتفرض على الناخب وضعاً معيناً ينساق إليه من خلال المناخ الأمني الضاغط، لا من خلال الحرية المسؤولة التي تقوده لاختيار هذا أو ذاك، كما أن الكثير من هذه الأنظمة تعمل على تثقيف الناخب بأن الانتخابات لعبة وليست مسؤولية لكي يتسنى لها إدارة العملية الانتخابية بمجملها وفق الخطة التي رسمتها لحسابها أو لحساب أكثر من محور دولي وإقليمي، وهنا تكمن مسؤولية الناخب ومسؤولية الشعب، لأن الله سيحاسب كل الذين قصّروا في واجباتهم في الاختيار لمصلحة الأمة أو ساهموا في تقييد حركتها لمصلحة الأعداء انطلاقاً من قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسؤولون}، ومن قوله تعالى: {يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها}...
وثمة مشكلة أخرى لا بد من الالتفات إليها في هذا الجانب، تتمثّل في دخول الأحزاب في لعبة السوق الانتخابية، حيث لم تنطلق في كثير من نماذجها من قاعدة واسعة في الخطوط الوطنية العامة على مستوى حركة القيمة، بل إن الأحزاب في الغالب الأعم تحسب حساب التوازنات الداخلية في ما هي مصلحتها التنظيمية، بعيداً عن المسألة الثقافية والرسالية والإنسانية، ولذلك رأينا أن الذين يمثلون الكفاءة في الأحزاب العلمانية أو المسيحية أو الإسلامية غالباً ما يتم إبعادهم وإزاحتهم من الطريق، لأن المسألة تكمن في إبراز أو تقديم الأقرب للجهات النافذة.
إننا بحاجة لتحرير الناخب من كل هذه المؤثرات السلبية وتأصيل إرادته من خلال اختيار الخطوط الأصيلة للبلد باختيار الأشخاص الذين يعيشون المسؤولية العامة والخاصة على المستويات كافة، لنصل إلى بلد يحميه ويرعاه المخلصون الذين يملكون إسقاط حكومة أو إسقاط مشروع أو محاسبة هذا المسؤول أو ذاك، بدلاً من أن نقدّم للأمة في هذه العملية الانتخابية أو تلك أشخاصاً تتلخّص وظيفتهم في التصويت على المشاريع التي تفرضها المحاور الدولية والإقليمية على حساب مصلحة الأمة والوطن.
إنا ـ وإلى جانب ذلك كله ـ علينا أن نلتفت إلى ما تخططه أمريكا في المنطقة في مسألة الانتخابات، وفي حديث رئيسها عن سعيه لإسقاط وإنهاء الطغيان في العالم، لأن ما تعمل له الاستخبارات المركزية هو تطويع هذه الانتخابات وتلك بطريقة أمنية مباشرة أو غير مباشرة لتقدم الشخصيات التي تدعم الاحتلال الأمريكي أو تشكل دعامة غير مرئية للمشروع الأمريكي... ولذلك علينا أن نتنبّه لهؤلاء وإلى أن أمريكا ـ بوش لم تنطلق من أجل إصلاح العالم، لأن الإصلاح يمثّل رسالة إنسانية ترفع مستوى الشعوب، وأمريكا تعمل لقيادة العالم سياسياً واقتصادياً وأمنياً ليكون تابعاً لها، لا ليكون شريكاً لها في حوار يطول حول ما هو مستقبل العالم وكيف نصل إلى مستقبل أرقى للبشرية كلها... إن علينا أن نكون حذرين حيال الخطط التي قد تختفي وراء العمليات الانتخابية هنا وهناك، فثمة ملامح دولية تختفي وراء الكثير منها، ولكن علينا في الوقت نفسه أن نحسن التعامل مع الواقع بما يجعلنا نؤثر فيه لحساب قضايانا ولا نتأثر به على حسابها".
موقع بينات - 4/2/2004