|
"أبو غريب" ليس غريباً عن السجون الأميركية نفسها!
|
نورمان سولومون
منذ فترة نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" لمحة عن حياة فرانك سميث "الذي كان قائد السجناء في سجن أتيكا وقد عذّبه رجال الشرطة بعد ثورة السجناء عام 1971 ثم أمضى ربع قرن يناضل بنجاح للحصول على التعويضات القانونية"، فعمل مساعد محامٍ بعد اطلاق سراحه.
كان سميث قوة محورية وراء دعوى قانونية استمرت 26 عاماً وانتهت بتسوية بقيمة 12 مليون دولار. تغيّرت حياة سميث الى الابد في 13 ايلول 1971 عندما أمر حاكم نيويورك، نلسون روكفلر، 500 شرطي تابعين لشرطة الولاية بمهاجمة اصلاحية أتيكا الواقعة في الشمال، مما أدى الى مقتل 29 سجيناً واحتجاز 10 حرّاس كرهائن واصابة 86 شخصاً على الاقل.
كانت التغطية الاعلامية مروّعة. تصدّرت عناوين الصحف أكاذيب فاضحة "تعلم" الناس ان السجناء حزّوا أعناق الرهائن عندما بدأ رجال الشرطة هجومهم. صُحّحت الحقائق لاحقاً في عناوين أصغر بكثير عندما أظهر التشريح أن الاعناق لم تُقطَع. ولم يعترف المسؤولون الرفيعو المستوى في الولاية بالحقيقة الا عندما فُضحت ادعاءاتهم.
يبرز سميث المعروف بـ"الاسود الكبير" في وثائقي عُرض على التلفزيون الوطني قبل ثلاثة اعوام. يتضمن "أشباح افريقيا" مشاهد كئيبة وصوراً مروّعة أخفتها حكومة الولاية طوال عقود. وفي الوثائقي ايضاً مقابلات مع اشخاص ينتمون الى مختلف الجهات في هذا النزاع المأسوي. بعد مشاهدة الوثائقي الممتد على 90 دقيقة قبل عرضه على الجمهور، كتبت "يحدث تأثيراً قوياً بسبب احترامه الشديد للدقة التاريخية. ولّدت ظروف رهيبة في السجن ثورة أتيكا التي بدأت كشغب غير منضبط وتحولت تعبيراً مركّزاً عن الغضب من رجال اختاروا القيام بخطوة مصيرية حفاظاً على الكرامة البشرية".
لم يحالف الحظ توقيت العرض الاول لـ"اشباح افريقيا" على "كورت تي في"، فقد بُثّ قبل يومين فقط من احداث 11 ايلول ،2001 وكانت المتابعة الاعلامية له ضئيلة جداً.
يبرز وضوح سميث وانسانيته في الفيلم في شكل لافت بسبب ما عاناه. كما جاء في الوثائقي، "كان الحرّاس يعذّبونه لساعات بواسطة السجائر وأغلفة الرصاص الساخنة وقفّاز مغطّى بالزجاج وبتصويب المسدس نحو رأسه وتهديد بالخصيّ والموت".
في حين كانت الثورة متعدّدة العرق، كان معظم السجناء الـ1281 المشاركين فيها من السود، مما يعطي فكرة عن لون غالبية السجناء. قال سميث في الوثائقي "كان أتيكا تجسيداً للحاجات والمطالب. كانت الطبقية والعرقية طاغيتين".
نادراً ما أتت وسائل الاعلام الاميركية على التلميح الى هذا الامر، لكن الطبقية والعرقية كانتا طاغيتين في "أبو غريب" ايضاً. من وجهة نظر شاملة، يخدم الجنود الاميركيون - الذين أرسلتهم أغنى دولة في العالم الى العراق - مصالح النخبة في الولايات المتحدة. وسهّلت العرقية المعادية للعرب على الاميركيين تعذيب السجناء في أبو غريب.
في هذه الاثناء، وبعد ثلث قرن على ثورة "أتيكا"، ما زالت "الطبقية والعرقية طاغيتين" في معظم سجون الولايات المتحدة. بوجود أكثر من مليونيَ شخص وراء القضبان - 63 في المئة منهم سود او من اميركا اللاتينية - يتألف الجزء الاكبر من السجناء من ذوي الدخل المحدود والبشرة الداكنة. يجب ألا ينظر الصحافيون تلقائياً الى الاحداث من وجهة نظر المسؤولين عن السجن. ومع ذلك، هذا ما يفعلونه دائماً.
قبل ثلاثة اعوام، كتبت بعد مشاهدة الوثائقي عن "أتيكا": "اذا افترضنا ان المسؤولين البيض صادقون، فقد فهم المراسلون القصة بالمقلوب". عند تغطية احداث سجن "أتيكا"، أدى هذا التحيّز الاعلامي الى تضليل الرأي العام الاميركي أشد تضليل. لكنه لم يكن حدثاً معزولاً. العنف واقع يومي بالنسبة الى السجناء في كل انحاء هذه البلاد. لكن ما يجري وراء ابواب الزنزانات الموصدة والجدران السميكة نادراً ما يُفضح تحت نور الشمس الاعلامية.
يقول تيري كوبرز، وهو طبيب نفسي أدلى مرات عدة بافادته حول انتهاكات حقوق الانسان في السجون الاميركية "لا أعتبر الاستغلال الجنسي والتعذيب والاذلال التي مارسها الجنود الاميركيون بحق السجناء العراقيين حدثاً معزولاً". ويضيف "معاناة السجناء في الولايات المتحدة شبيهة الى حد بعيد بمعاناة العراقيين الذين اساء الجنود الاميركيون معاملتهم. يُخدّر السجناء ويُغتصَبون ويُضرَبون ويُجوَّعون ويُتركون عراة في زنزانات باردة جداً ويتعرّضون لانواع اخرى من التعذيب في العديد من السجون الاميركية، اذ أثبتت محاكم عدة ان هناك انتهاكاً للحقوق الدستورية التي تحمي من العقاب القاسي وغير العادي".
ويتابع كوبرز: "كي تستمر الانتهاكات، يجب أن تكون لمجموعة سيطرة كاملة على الاخرى، ويجب أن يشعر الضحايا ان ليس لهم مفرّ وان يكون المرتكبون واثقين من أنهم سينجون بفعلتهم. يجب أن يبقى كل شيء سرياً".
هنا يأتي دور وسائل الاعلام الاخبارية التي يترتّب عليها مكافحة هذه السرية. عندما علم الناس بالانتهاكات التي حصلت في سجن "أبو غريب"، اجتاحهم غضب عارم. لكن ما يجري وراء القضبان في الولايات المتحدة الآن ما زال عاجزاً عن تحمّل أضواء الاعلام الكاشفة.
النهار اللبنانية - 11/8/2004