|
سيرة شارون من "السور الواقي" إلى "أيام الندم" |
|
علي الخليلي بين ما تسميه حكومة “إسرائيل” الآن “أيام الندم” في اجتياح قطاع غزة، وما كان لها من مسمّى “السور الواقي” قبل سنتين، في إغراق الضفة الغربية بالنار والدم، عقدة شارونية بحتة تقوم على التدمير المنهجي لكل امكانات التسوية السياسية، في الحاضر، وفي المستقبل. شارون الجدار، وشارون الاستيطان، وشارون المجازر والاغتيالات، وشارون الحصار والخراب، لم يتغيّر. وحتى وهو يعلن عن خطة للانسحاب من قطاع غزة، يخطّط في الواقع لمزيد من ذبح وتحطيم القطاع والضفة الغربية معاً. كان يظنّ ان مجرد إعلانه عن خطته، سوف يعزل القطاع عن الضفة سياسياً. وسوف يدفع بالمقاومة والانتفاضة إلى الاضطراب تحت سقف هذه الخطة، ما بين فصيل رافض لها، وآخر موافق عليها، وما بين السلطة الوطنية من جهة، والفصائل من جهة ثانية. وكان يظنّ ان هذا الاضطراب سوف يفضي بالضرورة، إلى احتراب داخلي فلسطيني لن يُبقي ولن يذر، لتتوفر له بعد ذلك، فرصة التربّع على هذا الخراب التاريخي النادر! وكي يغطي هذا الظن بأبعاد معاكسة تعمل على اخفائه، للتمويه والخداع، أشاع ان الحرب الأهلية سوف تنشب في الجانب “الإسرائيلي” إذا نُفذت خطته! وبالتالي، فإنه يحتاج للتضحية ب “خريطة الطريق” لتمرير هذه الخطة. ويحتاج، دون لف أو دوران، إلى ابتلاع الضفة الغربية كلها، من أجل منع هذه الحرب! وبصراحة، كادت شائعة شارون تمر على كثير منا، وتدخل إلى عقولهم باعتبارها “ظرفاً موضوعياً”. فلماذا وفق هذا التمرير الساذج، لا يحصد شارون ما بذرت يداه، ويغوص المجتمع “الإسرائيلي” باحتراب داخلي فعلاً؟ تمزّقت الشائعة الشارونية لسبب واحد، هو ان الشعب الفلسطيني نفسه، لم يغرق بأي احتراب داخلي. لقد خاب ظن شارون تماماً. فبدلاً من أن يتهتّك النسيج المجتمعي الفلسطيني تحت ثقل خطة الانسحاب “أحادي الجانب” من قطاع غزة، تماسك هذا النسيج، واستطاعت الفصائل ان تعبر إلى حوار معمّق بينها. كما استطاعت السلطة ان تؤكد ثباتها بالتوافق مع هذا الحوار، وببدء حملة التسجيل الرسمي للانتخابات العامة، استعداداً للمرحلة المقبلة بقوة وجرأة. شارون من جهته، رأى في هذا التماسك الفلسطيني القوي والشجاع، انهياراً تاماً لمعنى خطته ومغزاها ومرماها. ورأى أيضاً ان احتمالات تحوّل شائعته المخادعة إلى حقيقة أو إلى “ظرف موضوعي” هي احتمالات واردة بالفعل، طالما لم يحترب الفلسطينيون فيما بينهم. فغياب الحرب الأهلية الفلسطينية يعني بالنسبة له، في سياق هذه الخطة، حضور الحرب الأهلية “الإسرائيلية” وحتى يمنع هذا الحضور، ويفرض على الفلسطينيين حربهم، اندفع نحو “أيام الندم”. شارون بذلك، يطلق الشائعة ويتابعها بطريقته العدوانية، من مذبحة إلى مذبحة، ومن خراب إلى خراب. الخطة، أم الشائعة؟ سيّان. المهم بالنسبة لشارون، أنه لا تسوية سياسية، ولا دولة فلسطينية، ولا توقف للاستيطان، ولا شيء من أرانب يسحبها من كُمه، سوى المزيد من النار والدم والدمار. مع ذلك، ورغم هذا التاريخ الشاروني المعروف، هل صحيح ان المشكلة في هذا كله، هي في تلك “الصواريخ” الفلسطينية البدائية التي لا تريد ان تتوقف عن السقوط على طاولة شارون؟ ان طاولة شارون المليئة بالقنابل النووية وأحدث الطائرات الأمريكية الحربية والدبابات والجرافات الضخمة، إلخ، لا تحتمل هذه الصناعة اليدوية الفلسطينية، فتهتزّ، ويهتزّ معها شارون، ويعلن ان جيوش فلسطين الجرارة سوف تدمر “إسرائيل”، وأنه رداً على ذلك، وبدعم من الولايات المتحدة، سوف يتصدى لهذه الجيوش، ويجعل من أيامها ندماً! مجنون يحكي، وعاقل يسمع. هل يسمع العالم؟ هل يرى؟ هل يحدّق بالطاولة الشارونية التي تمتد على طول وعرض المنطقة كلها، سمّها الشرق الأوسط، أو المنطقة العربية، أو الشرق الكبير، أو “إسرائيل الكبرى”، لا فرق؟ الولايات المتحدة مشغولة بالانتخابات الرئاسية، وبمئات الآلاف من جنودها في ذبح العراق. واللجنة الرباعية مشلولة. ودول الاتحاد الأوروبي تنتظر انتهاء الانتخابات الأمريكية، وهم في هذا الانتظار لا يسمعون، ولا يرون، ولا يكترثون بالمجانين، وبالعُقّال على حد سواء. والعرب ماذا عن العرب؟ يبقى شارون وطاولته. لكنه ليس وحده. ثمة سؤال كبير وملتهب يلتفّ حول رقبته: هل وقى “السور الواقي” أحداً، أم أنه على العكس، زاد من الحقد والكراهية، ومن تحطم كل الخطوط الحمراء؟ وهل سيتوقف “الندم” عند طرف دون آخر، في طوفان النار والدم الذي يجتاح قطاع غزة، أم انه سيشمل المنطقة كلها، لتغرق فيه كل الأطراف، دون استثناء؟ شارون لا يعترف بهذا السؤال. من “السور الواقي” إلى “أيام الندم” سيرته أو مسيرته واضحة بالمذابح والخرائب والانقاض، هو لا يستطيع ان يفلت من هذه السيرة/ المسيرة. هو ذاته السيرة/ المسيرة، كيف يفلت من ذاته؟ المنظمات المجتمعية المدنية على امتداد العالم. منظمات حقوق الانسان، الهيئات التي يسعدها ان تمثل الضمير الانساني، ضمير البشرية جمعاء، لماذا لا تضرب بيدها على طاولة شارون، وتقول له: كفى! أم ان هذه المنظمات والهيئات، لا تحرّك يدها أساساً، إلا بقرار أمريكي، من “دارفور” على سبيل المثال إلى سواها. الخليج الاماراتية - 4/10/2004 |